Melhem Khalaf
13/07/2026
كلمة النائب ملحم خلف
في المؤتمر الصحافي لإطلاق المبادرة النيابية الوطنية الداعمة لاستمرار مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في جنوب لبنان
مكتبة مجلس النواب | الاثنين 13 تموز 2026 | الساعة 13:00:
نلتقي اليوم في قلب مجلس النواب، لا لنسجّل موقفًا في وجه أحد، ولا لنضيف بيانًا جديدًا إلى أرشيف المواقف؛ بل لنؤدّي واجبًا وطنيًا، ولنرفع، من داخل المجلس النيابي، صوتًا واحدًا من أجل لبنان، ومن أجل جنوبه، ومن أجل حقّ أهله في الأمن والاستقرار والحياة.
فالكتاب الذي نحمله اليوم ليس مجرّد مجموعة من التواقيع. بل هو تعبير عن إرادة وطنية جامعة، في أيام قليلة، التقى ستة وثمانون نائبًا، ينتمون إلى كتل واتجاهات وخيارات سياسية مختلفة، على موقف وطني واحد: التمسّك باستمرار وجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل، وتعزيز قدرتها على القيام بالمهام التي أنشأها مجلس الأمن الدولي من أجلها.
ستة وثمانون نائبًا، أي أكثر من ثلثي أعضاء مجلس النواب.
ومنذ زمن بعيد، لم يجتمع هذا العدد الكبير من النواب على قضية وطنية واحدة. وهذه، في ذاتها، رسالة بالغة الدلالة: لقد اختلفنا، ولا نزال نختلف، في ملفات كثيرة، لكننا أثبتنا أنّنا قادرون، عندما يتعلّق الأمر بلبنان وبأمن شعبه وسيادة أرضه، على أن نلتقي على المساحة الوطنية المشتركة.
إنّ هذا العدد ليس انتصارًا لفريق، لأنّ المبادرة لو كانت لفريق لفقدت معناها. وهو ليس ملكًا لشخص، ولا لكتلة، ولا لطائفة، ولا لمنطقة. إنّه تعبير عن لبنان الممكن؛ لبنان الذي يستطيع أبناؤه أن يضعوا خلافاتهم جانبًا عندما يصبح الوطن هو القضية.
في هذه المناسبة أتوجّه بالشكر إلى كل زميلة وزميل وقّع هذا الكتاب. لقد اختلفت المواقع والانتماءات، لكنّ المسؤولية الوطنية كانت واحدة. ولا بدّ من توجيه تحية الى رئيس مجلس النواب الذي وضع توقيعه عليه مانحًا المبادرة دلالة إضافية مؤكدًا أن حماية الجنوب والحفاظ على الإستقرار فيه يجب أن يبقى فوق كل إعتبار.
ونثمّن تجاوب وزير الخارجية والمغتربين، الذي أعطى، رغم وجوده خارج لبنان، توجيهاته للاهتمام بالكتاب والعمل على إيصاله إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي في أسرع وقت ممكن. كما نشكر وزارة الخارجية والمغتربين والعاملين فيها على تسلّم الكتاب وتسجيله تحت الرقم 7441 بتاريخ 9 تموز 2026، وعلى مباشرة الإجراءات اللازمة ضمن القنوات الدبلوماسية الرسمية.
وهنا، أريد أن أؤكّد بوضوح لا يحتمل أي التباس:
هذه المبادرة ليست بديلًا من الحكومة، ولا مزاحمةً لها، ولا إنشاءً لمسار دبلوماسي موازٍ لمسارها. على العكس تمامًا، إنّها مبادرة تضع بين يديها رصيدًا نيابيًا وطنيًا واسعًا، يعزّز موقفها أمام المجتمع الدولي وفي مجلس الأمن. بل نساندها في أداء هذا الدور.
ولا نحلّ مكان وزارة الخارجية؛ بل نضع في تصرّفها موقفًا نيابيًا جامعًا تستند إليه في تحرّكها.
وليست اصطفافًا في نزاع داخلي أو خارجي.
إنّها مبادرة مع لبنان وللبنان.
مع سيادته ووحدة أرضه.
مع جيشه ومؤسساته الشرعية.
مع حكومته ودورها الدستوري.
مع الشرعية الدولية وقراراتها.
ومع حقّ أهل الجنوب في أن يعيشوا بأمان وكرامة على أرضهم.
وهذا الخيار ليس جديدًا على لبنان، بل هو امتداد لمسار وطني آمن بالدولة وبالشرعية الدولية. فمنذ عام 1964 دعا ريمون إدّه إلى الاستعانة بقوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة على الحدود اللبنانية، ثم حمل غسان تويني قضية لبنان إلى مجلس الأمن عام 1978، وأطلق نداءه التاريخي: «دعوا شعبي يحيا»، في المسار الذي أفضى إلى صدور القرارين 425 و426 وإنشاء اليونيفيل. وما نقوم به اليوم هو استمرار لهذه الأمانة الوطنية.
إنّ اليونيفيل لم تُنشأ من فراغ. فقد أقامها مجلس الأمن الدولي بموجب القرارين 425 و426 لعام 1978، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحدّد لها أهدافًا واضحة: تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية، واستعادة السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها الفعلية على أرضها. ثم تعزّز دورها لاحقًا، ولا سيما بموجب القرار 1701 وسائر القرارات ذات الصلة.
واليوم، لا بدّ من أن نسأل بصدق ومسؤولية:
هل اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية؟
هل توقفت الاعتداءات؟
هل تحقق وقف فعلي وثابت لإطلاق النار؟
هل استعاد الجنوب سلامه واستقراره الكاملين؟
وهل تحققت جميع الأهداف التي أُنشئت اليونيفيل من أجلها؟
ما دام الجواب واضحًا، فكيف يمكن إنهاء المهمة قبل زوال الأسباب التي استدعت إنشاءها وقبل إنجاز الأهداف التي أوكلت إليها؟
إنّ عدم تحقيق اليونيفيل كامل أهدافها، رغم مرور ما يقارب نصف قرن على إنشائها، لا يشكّل سببًا لإنهاء مهمتها، بل موجبًا لمراجعة وسائل عملها وتعزيز قدرتها على تنفيذ ما كلّفها به مجلس الأمن.
ونحن لا ندّعي أنّ وجود اليونيفيل قد صنع السلام الكامل، ولا أنّه منع كل اعتداء أو خرق. لكنّ القصور في تنفيذ المهمة لا يُعالَج بإلغائها، والخطر القائم لا يُواجَه بسحب المظلّة الدولية، والمسؤولية لا تنتهي لمجرّد أنّها طال أمدها.
كما أنّنا لا نريد اليونيفيل بديلًا من الدولة اللبنانية أو من الجيش اللبناني. فالجيش هو حامي الأرض والسيادة، والدولة وحدها صاحبة السلطة والقرار. إنّما تقوم اليونيفيل، ضمن ولايتها وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، بدور داعم للدولة وللشرعية الدولية، إلى أن تتحقق الغايات التي أُنشئت من أجلها.
ومن هنا، أتوجّه بمحبة واحترام إلى الزميلات والزملاء الذين لم يوقّعوا الكتاب بعد.
نحن لا نعاتب أحدًا، ولا نضع التوقيع معيارًا للوطنية، ولا نسمح بأن يتحول هذا الموقف إلى أداة انقسام أو أصطفاف. إنّ باب هذه المبادرة سيبقى مفتوحًا، ومكان كل نائب فيها محفوظ.
دعونا نحوّل هذه الأكثرية الوطنية الواسعة إلى إجماع وطني كامل.
فالجنوب ليس ملك فريق، وحمايته ليست مسؤولية منطقة أو طائفة، وأمنه ليس ملفًا محليًا. الجنوب هو لبنان، وكل اعتداء عليه هو اعتداء على الوطن بأسره.
وسنواصل هذه المبادرة من داخل المؤسسات وبالتكامل مع الحكومة، وسنسعى في مرحلة لاحقة إلى لقاء سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي داخل مجلس النواب، لنعرض أمامهم حيثيات هذا الموقف، بوصفه تعبيرًا عن إرادة وطنية نيابية واسعة تدعم المسعى الرسمي للدولة اللبنانية.
ومن الوفاء أيضًا أن نحيّي الدول المشاركة في قوات اليونيفيل، وأن نوجّه التقدير إلى جنود حفظ السلام الذين خدموا على أرض الجنوب، وأن نستذكر الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لهذه المهمة. كما نحيّي الجيش اللبناني، وأهلنا في الجنوب، الذين تحمّلوا أعباء الحرب والاحتلال والاعتداءات المتواصلة، وبقوا متمسّكين بأرضهم وبالدولة وبحقهم في الحياة.
ونشكر وسائل الإعلام التي واكبت هذه المبادرة، ونأمل أن تحملها إلى اللبنانيين وإلى العالم كما هي: مبادرة وحدة لا انقسام، ومبادرة دعم للدولة لا تجاوز لها، ومبادرة سلام وسيادة لا مواجهة مع أحد.
أيها اللبنانيون،
نحن لا نطلب بقاء اليونيفيل لأننا اعتدنا وجودها، ولا نطلبه إلى ما لا نهاية. ما نطلبه هو ألّا تنتهي المهمة فيما الأسباب التي استدعتها لا تزال قائمة، وألّا يُسحب الحضور الدولي قبل تحقيق الأهداف التي حدّدها مجلس الأمن نفسه.
ومن هنا، من مجلس النواب اللبناني، نقول لأعضاء مجلس الأمن الدولي:
لا تتركوا فراغًا دوليًا في أرض لا يزال الخطر قائمًا فيها.
لا تسحبوا الشاهد الدولي فيما الاعتداءات والانتهاكات مستمرة.
لا تنهوا المهمة قبل إنجازها.
ولا تجعلوا لبنان والجنوب يدفعان ثمن تراجع المجتمع الدولي عن مسؤولياته.
ونقول للحكومة اللبنانية: نحن إلى جانبكم، وهذه التواقيع قوة لموقفكم ومسعاكم.
ونقول لجيشنا اللبناني: أنتم أساس السيادة وضمانها.
ونقول لأهلنا في الجنوب: أنتم لستم وحدكم. أمنكم أمننا، وأرضكم أرضنا، وكرامتكم من كرامة لبنان كلّه.
فلنجعل من التواقيع الستة والثمانين بداية إجماع، لا نهاية مبادرة؛ ولنجتمعمن أجل لبنان قبل أن تجمعنا المخاطر على خسارته.
فالسلام لا يُصان بالانسحاب من المسؤولية، والسيادة لا تُحمى بتركها وحيدة، ولبنان لا يُنقذ إلا بوحدة أبنائه، وبقوة دولته، وبالتمسّك بالشرعية الوطنية والدولية.
عاش الجنوب آمنًا صامدًا،
وعاش لبنان سيدًا، حرًّا، مستقلًا.
27/06/2026
بهيج طباره... الكبير الكبير بإنسانيته!
طبعاً، هذه صيغة مختصرة ومحسّنة مع الحفاظ على الوجدان والشهادة الشخصية:
كثيرون سيكتبون اليوم عن المحامي الدكتور بهيج طبارة، عن علمه الغزير، ونزاهته، ودماثة أخلاقه، ورجاحة عقله، وإسهاماته في بناء دولة القانون. أمّا أنا، فأودّ أن أشهد على ما رأيته بعيني، وما اختبرته بنفسي.
عرفته وزيرًا للعدل، يوم دعاني إلى المشاركة في لجنة وزارية للتشريع أحاطها بكبار الحقوقيين في لبنان. وعلى الرغم من سعة علمه، لم يكن يومًا أسير فكرة أنه يملك الحقيقة وحده، بل كان يؤمن بأن التشريع يُبنى بالحوار وتكامل الخبرات. فتح أبواب اللجنة أمام الطاقات الشابة، وجعل منها مساحة يلتقي فيها العلم بالخبرة والحماسة.
في تلك المرحلة، اكتشفت فيه ما هو أبعد من رجل القانون: تواضع العالم، وحسن الإصغاء، واحترام كل رأي صادق.
لكن الذكرى التي لا تغادرني تعود إلى صيف عام ١٩٩٢.
يومها، ومن خلال جمعية “فرح العطاء”، تجرأت على أن أطلب منه الإذن بتنظيم مخيم لأحداث موقوفين ومحكومين كانوا في إصلاحية اتحاد حماية الأحداث، برئاسة القاضي غسان رباح. وكان الاقتراح أن يُقام المخيم خارج الإصلاحية، في مركز “فرح العطاء” في كفيفان – قضاء البترون، ومن دون أي وجود أمني داخله.
كان الطلب، في ذلك الزمن، أقرب إلى المغامرة. ومع أن الوزير بهيج طبارة كان معروفًا بتأنّيه، جاء جوابه فوريًا: وافق مبدئيًا، طالبًا فقط الحصول على موافقة النائب العام التمييزي ورئيس اتحاد حماية الأحداث. وما إن صدرت موافقته، حتى أُبصر المشروع النور.
لكن ما أريد أن يبقى في الذاكرة ليس فقط قراره، بل ما فعله بعده.
فقد ترك مكتبه في وزارة العدل، وجاء بنفسه من بيروت إلى كفيفان، برفقة عدد من معاونيه، ليقضي بعد ظهر كاملًا مع أربعة وخمسين طفلًا محرومين من الحرية.
وعندما طلب بعض هؤلاء الأطفال أن يتحدثوا إليه على انفراد، اعترض بعض مرافقيه. أمّا هو، فأبى إلّا أن يجلس مع كل واحد منهم، منفردًا، يستمع إليه بصبر الأب لا بسلطة الوزير. كان يصغي إلى شكواهم، يسأل عن ظروفهم، يدوّن ملاحظاته، ويتابع شخصيًا كل حالة تستحق المتابعة.
في ذلك اليوم، لم أرَ وزيرًا للعدل. رأيت إنسانًا اختار أن يتجاوز القيود الأمنية والإدارية ليصل إلى عمق وجع الإنسان. رأيت مسؤولًا لم ينظر إلى هؤلاء كـ“جانحين”، بل كأطفال أخطأوا، وما زالوا يستحقون من يحتضنهم، ويحمي حقوقهم، ويمنحهم فرصة جديدة للحياة.
ذلك المشهد بقي محفورًا في ذاكرتي أكثر من ثلاثة عقود. واليوم، مع رحيله، أدرك أكثر أن عظمة بهيج طبارة لم تكن في علمه المتألّق فقط، ولا في تواضعه الذي أجمع عليه الجميع، بل في إنسانيته اللامحدودة، وفي قدرته النادرة على أن يبقى، وهو في أعلى مواقع المسؤولية، أبًا قبل أن يكون وزيرًا، وإنسانًا قبل أن يكون رجل دولة.
ولعلّه لذلك كان من أكثر المؤمنين بضرورة نقل إدارة السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، لأن السجن، في نظره، لم يكن مكانًا لتنفيذ العقوبة فحسب، بل مؤسسة إصلاح وإعادة تأهيل، تحفظ كرامة الإنسان وتفتح أمامه باب العودة إلى المجتمع.
رحم الله الدكتور بهيج طبارة.
سيبقى في ذاكرتي، كما عرفته، رجلًا كبيرًا بعلمه، وأكبر بإنسانيته.
Click here to claim your Sponsored Listing.
Category
Website
Address
Badaro
Beirut