WESI
في حديث لموقع" الخليج اون لاين" حول تطور ازمة الطاقة في مضيق هرمز الى ازمات غذائية عالمية
19/05/2026
من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر واستعادة المعنى.؟
لم تكن المياه في العراق يومًا مجرد موردٍ طبيعي يُستخدم للشرب والزراعة، بل كانت جزءًا من الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية والوعي الاجتماعي للدولة والمجتمع. فالعراق الذي تشكّل تاريخيًا حول نهري دجلة والفرات، لم يبنِ مدنه واقتصاده فقط على الماء، بل بنى أيضًا ثقافته وأساطيره وأنماط حياته وعلاقته بالأرض والإنسان. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية والبيئية التي مرّ بها البلد خلال العقود الأخيرة دفعت هذه العلاقة التاريخية إلى حالةٍ من التآكل التدريجي، حتى بات العراق يعيش اليوم ما يشبه “اللاذاكرة المائية”، حيث يجري التعامل مع المياه كملفٍ خدمي أو أزمة موسمية، لا كجزءٍ من الهوية الوطنية والأمن الحضاري للدولة.
لقد عرف العراق عبر تاريخه الطويل كيف يحوّل الماء إلى عنصرٍ لبناء الاستقرار والقوة. فمنذ الحضارات السومرية والبابلية، ارتبط مفهوم الدولة بإدارة الري وتنظيم الأنهار وحماية الأراضي الزراعية. وكانت شبكات القنوات والسدود القديمة تمثل آنذاك شكلًا مبكرًا من أشكال الحوكمة المائية والتنظيم المجتمعي. ولم يكن النهر مجرد مجرى مائي، بل مركزًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية والروحية. فالأهوار في جنوب العراق مثلًا لم تكن بيئة طبيعية فحسب، بل فضاءً ثقافيًا متكاملًا تشكّلت داخله أنماط العيش واللغة والموسيقى والعلاقات الاجتماعية والرموز الشعبية.
لكن هذه العلاقة التاريخية بدأت تتعرض إلى التهميش مع صعود أنماط الإدارة المركزية الحديثة، ثم تعمّقت الأزمة بفعل الحروب والتجفيف والإهمال وتراجع التخطيط الاستراتيجي. ومع الوقت، تحوّل ملف المياه إلى قضية تقنية معزولة عن بعدها الاجتماعي والثقافي، وأصبح الحديث عن الأنهار يقتصر غالبًا على نسب الإطلاقات المائية أو مواسم الجفاف، بينما تراجعت مكانة الماء بوصفه جزءًا من الوعي الوطني والذاكرة العراقية.
هذا التحوّل يشبه إلى حدٍ كبير ما يحدث عندما تتعرض المجتمعات لمحاولات طمس ذاكرتها الجماعية. فكما تفقد الجماعات المهمّشة حضورها عندما يُغيَّب تاريخها وروايتها، يفقد العراق جزءًا من هويته عندما يُختزل تاريخه المائي في أرقام وتقارير إدارية. إن تراجع الأهوار، واندثار البساتين، وهجرة القرى الزراعية، وتغيّر شكل المدن النهرية، ليست مجرد نتائج بيئية أو اقتصادية، بل تعبير عن انقطاع تدريجي بين العراقيين وموروثهم المائي العميق.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت آثار هذا الانقطاع بصورة أكثر وضوحًا. فالتغيّر المناخي، والتراجع الحاد في الإيرادات المائية، وارتفاع نسب التصحر، وازدياد الهجرة من الريف إلى المدن، كلها كشفت هشاشة البنية المائية العراقية. كما أن غياب الرؤية الوطنية المتكاملة لإدارة المياه جعل الأزمة تتفاقم بين تعدد المؤسسات وضعف التنسيق وغياب الاستثمار الحقيقي في البنى التحتية والتكنولوجيا والحوكمة.
ومع ذلك، فإن مستقبل العراق المائي لا يرتبط فقط بالسدود والمشاريع الهندسية، بل بإعادة بناء العلاقة المعنوية والثقافية بين المجتمع والماء. فالدول لا تحمي مواردها الاستراتيجية بالقوانين وحدها، بل بتحويلها إلى جزءٍ من وعيها الجمعي. والعراق يحتاج اليوم إلى استعادة “الذاكرة المائية” بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية الوطنية، وليس مجرد ملفٍ إداري أو تفاوضي.
إن استعادة هذه الذاكرة تبدأ من الاعتراف بأن أزمة المياه ليست أزمة نقصٍ فقط، بل أزمة إدارة وإدراك ومعنى. فحين يشعر المواطن أن النهر جزءٌ من تاريخه ومستقبله، تصبح حمايته مسؤولية مجتمعية لا مهمة حكومية فحسب. وحين تتحول الأهوار والأنهار والموارد المائية إلى مكوّنٍ حاضر في الثقافة والتعليم والإعلام والسياسات العامة، يمكن للعراق أن يؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات المؤقتة نحو بناء أمنٍ مائي مستدام.
إن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن يستمر في التعامل مع المياه باعتبارها أزمة طارئة تُدار بردود الأفعال، أو أن يعيد اكتشافها بوصفها أساسًا وبوصلة للهوية والسيادة والاستقرار والتنمية. فالماء في العراق ليس مجرد موردٍ مهدد، بل ذاكرة وطنٍ كامل، وإذا ضاعت الذاكرة، يصبح المستقبل أكثر هشاشة وغموضًا.
Click here to claim your Sponsored Listing.
Contact the school
Telephone
Address
Nohadra Street
Duhok
0964