30Youm

30Youm

Share

01/02/2026

أحياء في قلوبنا

بقلم/ محمد مطش
إن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد مادية أو ثروات طبيعية، بل تُقاس بمدى تقديرها لرموزها ومبدعيها الذين صاغوا وجدانها وشكلوا تاريخها، إن إحياء ذكرى المشاهير في مختلف المجالات ليس مجرد طقس اجتماعي أو بروتوكول رسمي، بل هو فعل حضاري يهدف إلى استحضار القيم والمبادئ التي عاش من أجلها هؤلاء المبدعون، لتبقى شعلة مضيئة تنير طريق الحاضر والمستقبل.
ان كلمة إحياء الذكرى في جوهرها اللغوي والاصطلاحي تعني بعث الروح في سيرة شخص غاب بجسده وبقي بأثره. انها عملية استحضار واعية للمنجزات والإسهامات التي قدمها الفرد في مجاله، سواء كان ذلك عبر ندوة ثقافية، أو فيلم وثائقي، او موقف إنساني او انجاز طبي او أداء سياسي محنك او عمل فني بديع، فان إحياء الذكرى هو إعلان صريح بأن الموت ليس نهاية المطاف للمبدع، بل هو بداية لمرحلة الخلود المعنوي حيث يتحول الشخص من كائن حي إلى أيقونة وقدوة تُستلهم منها الدروس.

تتعدد المجالات التي يبرز فيها المشاهير، لكن القيمة تظل واحدة؛ وهي العطاء، فنجد مثلا في الفن والثقافة يمثل المبدعون ذاكرة الأمة الوجدانية، وإحياء ذكرى الأدباء والفنانين هو حفاظ على الهوية والقوة الناعمة للدولة. وفى السياسة يمثل العلماء والسياسيون العقل المدبر والدرع الحامي، وإحياء ذكراهم هو اعتراف بالفضل في رقي المجتمع واستقراره. وفي الرياضة يجسد الأبطال الرياضيون معاني الإرادة والتحدي، وتذكُّر إنجازاتهم يبث روح العزيمة في نفوس الشباب. كذلك الأطباء والعلماء يمثلون قيمة في مجال معالجة البشرية وتقديم الحلول الجذرية للتغلب على المشاكل الصحية للأفراد. إن هؤلاء المشاهير لم يصلوا إلى النجومية بمحض الصدفة، بل عبر تاريخ حافل بالصعاب والمثابرة، ومن هنا تأتي أهمية إحياء ذكراهم كنوع من الوفاء الوطني الذي يرسخ فكرة أن من يجتهد ويخلص لوطنه، سيجد مكانه محفوراً في ذاكرة الزمن لا محالة.
كما يمثل إحياء ذكرى الرموز حلقة الوصل المفقودة بين الماضي والحاضر. لإن الأجيال الجديدة، في ظل الانفتاح الرقمي المتسارع، قد تشعر بالاغتراب عن تاريخها، هنا تبرز قيمة الاحتفاء بالمشاهير كأداة تعليمية وتربوية؛ فحين يقرأ الشاب عن كفاح عالم نال جائزة نوبل، أو سياسي حكيم جنّب بلاده الويلات، أو فنان غير وجه الفن، فإنه لا يقرأ مجرد قصة، بل يستخلص حكمة وعظة. هذا الربط يمنح الشباب بوصلة أخلاقية ومهنية، حيث يدركون أن النجاح الحقيقي يتطلب صبراً وإخلاصاً، وأن التاريخ لا يذكر إلا أصحاب البصمات الحقيقية. إننا بذلك نحول "التاريخ الجاف" إلى "نماذج حية" تلهمهم في مسيرتهم الخاصة.

لا تتوقف قيمة إحياء الذكرى عند النفع العام، بل تمتد لتلمس الجانب الإنساني العميق لدى أسر هؤلاء المشاهير. إن عائلات الرموز الذين قدموا حياتهم وجهدهم لخدمة الوطن غالباً ما يشعرون بالفخر الممزوج بالفقد. حين يرى الابن أو الحفيد أن وطنه ما زال يذكر والده أو جده بالخير، وأن إنجازاته لا تزال تُدرس وتُقدر، فإن ذلك يمثل "عزاءً حضارياً" وتكريماً معنوياً يفوق كل التكريمات المادية. انها رسالة لكل عائلة قدمت مبدعاً بأن عطاء ابنكم لم يذهب سدى، مما يعزز من قيم الانتماء والولاء لدى هذه الأسر والمجتمع ككل.


وختاما لابد ان ندرك قيمة وقدر الشباب لأنهم قوة المجتمع الحقيقية ويجب على ابائهم وذويهم ان يعلموهم منذ الصغر إن الأمم التي تنسى عظماءها هي أمم بلا جذور، والأمة التي لا جذور لها لا يمكنها أن تمد أغصانها نحو سماء المستقبل. كما إن الاحتفاء بمن سبقوهم من المبدعين والعلماء والقادة ليس مجرد عودة للماضي، بل هو استثمار في ذاتكم.

يجب على الأجيال الصاعدة ان تعي وتدرك أن هؤلاء المشاهير كانوا يوماً في مثل سنكم، يحملون أحلاماً كبيرة ويواجهون تحديات جسيمة، لكنهم اختاروا أن يكونوا جزءاً مضيئاً في تاريخ هذا الوطن. كما إن غياب القدوة هو أقصر طريق للضياع، وبدون الدروس المستفادة من تجارب من سبقونا، سنضطر لإعادة اختراع العجلة والوقوع في نفس الأخطاء. وأتمنى من الشباب ان يكونوا حريصين على إحياء ذكرى من أناروا لنا الدروب؛ اقرأوا سيرهم، تداولوا إنجازاتهم، واجعلوا من قصص نجاحهم وقوداً لطموحاتكم. تذكروا دائماً، فمن لا يحيي ذكرى من سبقه، لن يجد من يحيي ذكراه في المستقبل. نحن اليوم نكتب تاريخنا بأفعالنا، ولن يُحترم تاريخنا إذا أهملنا نحن تاريخ من مهدوا لنا الطريق.

Want your business to be the top-listed Convenience Store in Alexandria?
Click here to claim your Sponsored Listing.

Category

Telephone

Address


Alexandria
213456