Mahmudul Haque Siddique

Mahmudul Haque Siddique

Share

11/09/2025

ابو الحسين لم يعد هنا

كان الفجر يولد على مهل، يتسلل من بين اهداب الضباب كطفل يتلمس صدر امه. وها هي الحقول تمتد امام العين، غارقة في ندى الصباح، تلمع كحلم اخضر مرشوش بدموع الليل. من بعيد يتردد الاذان، صوته يذوب في صدر الريح، كأنه وعد سماوي للفلاحين ان لا تموت الارض ما داموا هم احياء.

في ذلك الركن، حيث تنتهي الدروب الطينية وتبدأ بساط الحقول، ينتصب بيت ابو الحسين. بيت من قش مسود، سقفه منحني مثل ظهر رجل اثقله الزمن، جدرانه من طين متشقق، وفناؤه مرشوش بماء البئر. على يساره زريبة الابقار، يعلو منها بخار انفاسها كادخنة صلاة صامتة. وفي الركن الآخر قفص من خشب تزدحم فيه دجاجات محلية، اصواتها تختلط بصوت الاطفال المتراكضين حفاة في الطين.

ابو الحسين يخرج من باب كوخه. رجل في منتصف العمر، اسمر اللون كأن الشمس سكبت حرارتها على جلده. كتفاه عريضان مثل حقله، ويداه مشققتان مثل الارض التي يفلحها. يلبس ازارا قديما، عاري الصدر، وعلى كتفه منشفة مهترئة. يبتسم دائما، لكن خلف ابتسامته غيم داكن، كما لو ان الضحكة سحابة تخفي وراءها رعدا مكتوما.

عيناه تبوحان بما لم يقله قط: حنين لا ينطفئ، وخوف لا يزول. حين يتحدث، يخرج صوته بطيئا غليظا، كأنه يخرج من بطن الارض. وكل كلمة يقولها تحمل معها رائحة الطين وملح العرق.

سكينة زوجته تسير نحو البئر. على رأسها جرة من فخار، خطواتها تطرق الارض طرقا موزونا، كأنها نشيد قديم. عيناها متعبتان من ثقل الايام، لكن فيهما ضوء خافت كالشموع التي تقاوم الريح. اطفاله السبعة يملأون الفناء ضجيجا وضحكا، كأنهم يعلنون ان الحياة رغم الجوع ما زالت تحتفل.

حين يصل ابو الحسين الى حقله، يمد بصره فيرى البحر الاخضر: سنابل قمح مبللة بالندى، متمايلة تحت نسيم لطيف. يقود ثوريه، ويغرس محراثه في بطن التراب، فيتشقق الصدر عن رائحة الارض الاولى. صوت الجرس في عنق البقر يمتزج بصرير الحديد، فيولد لحن غريب، موسيقى العرق والرجاء.

يجلس عند الظهيرة على حافة الساقية، يأكل الارز الساخن بملح وفلفل مجروش. يلتقط لقماته بيديه الخشنتين، فيشعر ان كل لقمة هي ثمرة شمس وغيمة وعرق. كان طعامه فقيرا، لكنه في قلبه مائدة ملوكية، لان معه الطمأنينة.

في ايام المغني كملا، تصير القرية عيدا. يجتمع الرجال جميعا، كل يقود ثوريه ومحراثه، ليحرثوا ارض اخيهم. الضحك يتردد، الاغاني الشعبية تتعالى، النكات تتناثر. كان العمل يتحول الى عرس جماعي. وعند الغروب، تطهى اللحوم في قدور الطين، ويجلسون صفوفا على التراب، يمدون ايديهم للطعام، ويضحكون كأن الجوع لم يعرفهم قط.

حين تغيب الشمس، يدخل الفلاحون مواشيهم الزرائب، ويشعلون البخور لطرد البعوض. ثم يخرجون جماعات الى النهر. يرمون شباكهم، يلتقطون السمك بايديهم، فيعلو الصياح، يضحكون كأنهم اطفال في مهرجان ماء. السمكة الكبيرة يأخذها شيخ القرية، والباقي يقسم بين الجميع.

في ليالي الشتاء، حين يتجمد الهواء، يشعلون نارا في وسط الساحات. يجلس الرجال والنساء والاطفال في دوائر، يغنون البواية والبطاليا، يروون القصص، يمثلون المسرحيات. احدهم يتنكر في زي امرأة، يثير ضحكات الآخرين، والليل كله يتحول الى مسرح للفرح. حتى الفقر كان يخجل من الضحك فيرحل بعيدا.

لكن الحياة لم تكن كلها عيدا. كانت الرياح العاصفة تسقط الزرع في ليلة. كان القيظ يحرق السنابل قبل ان تكتمل. وكانت السيول تجرف الحقول كأنها لم تكن. عندها يقف ابو الحسين على حافة ارضه، يبتسم ابتسامة باهتة، ودمعة تتلألأ في عينيه، ثم يقول: "الزرع يذهب ويعود، اما الارض فباقية. ما دمنا نملك الارض، فنحن باقون."

وعند منتصف الليل، حين يسكب القمر ضوءه على سقف القصب، وحين يختلط صرير الجنادب باصوات الديكة، يجلس ابو الحسين امام بيته. اطفاله نيام، وسكينة تصلح اواني الطين. يبتسم، يضع كفه على ركبته، كأنه يلمس قلب القرية كله.

كان فقيرا، لكنه كان غنيا بما لا يشترى: راحة القلب. كان مجهولا، لكنه كان وجها لكل فلاح على هذه الارض.

واليوم، لم يبق من ابو الحسين وامثاله الا الحكايات. رحلوا، ورحلت معهم ايام المغني كملا. رحلوا، فرحل معهم الضحك الذي كان يقاوم الجوع، واليد التي كانت تصافح الارض، والطمأنينة التي لا تقاس بمال.

Want your public figure to be the top-listed Public Figure in Mymensingh?
Click here to claim your Sponsored Listing.

Category

Telephone

Website

Address


Mymensingh