Adab
لقمة عيش ( قصة قصيرة)
نهضت حفصية ككل يوم باكرا بفرحة استقبال يوم جديد. فرحة حفصية بيومها الجديد ليست كفرحة أي امرأة من نساء الحي, وكثير من الناس لا يفرحون للقاء يوم جديد, و ليس بهم نزوع إلى تأمل تعاقب الليل و النهار و يطردون بوعي أو بدونه فكرة قدوم يوم لا ينهضون فيه لا باكرا و لا متأخرا. حفصية كان لها إحساس قوي بالموت, و نظرتها إليه طريفة, فهي تراه عقابا إذا أتى قبل أوانه, أما أوان الموت في اعتقادها فهي الشيخوخة , الشيخوخة الحقيقية التي يكون فيها الموت رحمة لصاحبه.
ليس لك أن تجادل حفصية في أي رأي ترتئيه فهي دائما على حق, الصواب ما تقوله, ولن تجد الجرأة لتقاطعها إذا ما بالغت في التفرد بالكلام أو أن تسهو بنظرك إلى أي ناحية من النواحي و تنسى أن تنظر إليها و تؤمن على قولها بأي إشارة من الإشارات, فهذه هفوات لا تغفرها لأحد, حتى وإن كان زوجها الهاشمي.
من حق حفصية أن تفرح باستقبال يوم جديد, فهي عندما تكون مقبلة على النوم تأتي طقوسا تضمن بها يوما جديدا في حياتها, فتتوضأ وتصلي و الصلاة عندها هي صلاة واحدة، صلاة العشاء و عدد الركعات فيها اثنتان, تردد فيهما بداية الفاتحة مرتين ثم تردد بداية سورة الإخلاص مرتين, تنتهي من الصلاة بقلب خاشع و نفس لها اطمئنان من قام بواجب عسير لا يأتيه إلا أصحاب الضمائر الحية و الإيمان الصحيح. تفتح باب الغرفة و تتجه إلى المطبخ لتنتقي من فضلات الطعام ما يئست من إعادة توضيبه وجبة لأطفالها السبعة, تجمع ما انتقته و تضعه بعناية في قرطاس و تقدمه إلى قطها الأسود الذي يكون قد تحفز قرب المطبخ منتظرا خروج سيدته بوجبة اليوم الطويل, لا يجرؤ على الدخول, و كيف يجرؤ و حفصية أذاقته ما أنساه وجود المطبخ, تضع القرطاس على الأرض و القط لا يقترب من الطعام إلا بعد التأكد من ابتعادها.
تدخل إلى غرفتها بعد أن تلقي نظرة طويلة إلى السماء محاولة التكهن بطقس الغد ثم تنظر إلى جهة محددة من السماء تعتقد أن الله يرقبها منها و تقول بصوت خافت "يارب سامحني" ثم تنظر إلى القط مقبلا على بقايا الطعام بنهم, تبتسم و تدخل راضية و تقفل باب الغرفة, و بعد التأكد من أن الغطاء لم يستبد به أحد الصبية دون إخوته تهجع إلى فراشها. ولم يكن فراشها إلا المجال المتبقي من مساحة الغرفة على يمين أطفالها, لا تشاركهم الغطاء و لكنها تشرك أصغرهم في غطائها فهو أحوجهم إلى الدفء و الحنان, فهو لم يتجاوز بعد
سبع سنوات و مازال يتردد إلى المدرسة. عندذلك تنام بعد أن تردد بعض الأدعية الأخيرة و هي على يقين من أنها ستنهض باكرا لتستقبل يوما جديدا.
نهضت حفصية باكرا مستقبلة مكافأة الله لها على صبرها و تضحيتها و مناجاتها له, تستقبل يومها الجديد ثم تعد القهوة و تقص الخبز و تصب زيت الزيتون في صحن فخاري مزين برسوم لزهور اللوز ثم تعود إلى الغرفة و تخبط الباب بيدها ثلاث مرات لينهض أبناؤها السبعة فزعين و هي تأمر "انهضوا بسرعة و كلوا ما تيسر و انطلقوا في أرض الله إلى أعمالكم"
و الحقيقة أن أعمال أبنائها لم تكن إلا التسكع في الأسواق و مساعدة الفلاحين و التجار في تحميل البضائع أو إنزالها من الشاحنات, و كانوا كثيرا ما ينجزون هذه الأعمال دون أن يطلب منهم ذلك فيظن الفلاح الغشيم أنهم تطوعوا للمساعدة على وجه الإحسان ثم يفاجأ بطلبهم أجرة ما تكبدوه من عناء.
ينهض أطفالها فزعين إلا فريدا الذي منحته حفصية امتياز عدم الاستجابة الفورية لأمرها فينهض بتثاقل و لا يخرج من الغرفة إلى وسط الدار إلا عندما يتأكد أن إخوته قد تناولوا فطورهم و بدأوا الخروج من البيت تباعا.
ثم يخرج الهاشمي من غرفته الخاصة وهي غرفة ضيقة لا تسع إلا سريرا واحدا, وهو امتياز يفخر به و لا ينازعه فيه أحد, يتبادل مع زوجته حفصية تحايا الصباح و يترشف قهوته على مهل مدخنا سيجارته و يعيد مواله اليومي عن السعي في كسب الرزق و يلعن مشغله السابق الذي طرده شر طردة بعد أن خصم من أجره ما أراد أن يخصم عقابا له على استغلاله شاحنة المصنع في مآربه الخاصة. قال الهاشمي لحفصية في لهجة واثقة :
- اليوم سأتصل بمدير مصنع البلاستيك, معي بطاقة توصية من صديق أكد لي أن المدير لن يردني خائبا و سيقبل تشغيلي في مصنعه سائق شاحنة لتوزيع الأواني البلاستيكية على تجار التفصيل.
وأخرج الهاشمي البطاقة و أراها لحفصية التي نظرت إليها دون أن تتوقف عن تنظيف المائدة و رفع الأكواب ثم قالت
-ربي معاك يا هاشمي...الأرزاق بيد الله.
-الحمد لله على كل حال.
-بعد مرورك على مدير المصنع لا تنس أن تزور أبي لجبر خاطره بكلمتين فهو غاضب من تأجيل سداد ما عليك من دين...أحطه علما بأوضاعنا و أخبره بأنك طردت من عملك ظلما...
-سأفعل إن شاء الله...
*********
قال الهاشمي للحاج عمر " يا حاج عمر ماكان لله دام و اتصل و ماكان لغير الله انقطع و انفصل".
ظل الحاج عمر ساكتا مطرقا إلى الأرض وهو جالس على جلد خروف, تارة يمرر يده اليمنى على ظهر يده اليسرى و طورا يمرر يده اليسرى على ظهر يده اليمنى, تلك عادته كلما أراد أن يهدئ من انفعاله أو يساعد ذهنه على الانصراف إلى التعقل و التحكم في رد الفعل.
كان على الهاشمي أن يعيد ما قاله للحاج عمر لأنه يعلم أن الحاج لم يسمعه فرفع صوته أكثر و أعاد :
"ما كان لله دام و اتصل و ما كان لغير الله انقطع و انفصل "
هذه المرة سمعه الحاج فرفع رأسه و نظر إليه بعينين متقدتين و قد اتسعت حدقتاهما و قال :
-شبعنا من اتصل و انفصل...أحضر المبلغ... و بعد ذلك سأجيبك ما الذي يتصل و ما الذي ينفصل...
-يا حاج، مالك في الحفظ و الصون... حد الله بيني والحرام, ثم نحن أهل و أبنائي هم أحفادك... أترضاهم يتضورون جوعا ؟
-لم يكرهك أحد على الزواج... إن لم تكن في مستوى المسؤولية فلم تزوجت ؟ لو بقيت أعزب لكان أفضل...
-سامحك الله يا حاج... هل كنت أتخيل و لو لحظة أني سأطرد من عملي ؟
-أعطني تاريخا محددا لإرجاع المبلغ...
-آخر هذا الشهر أرجع لك نصف المبلغ, خمسين دينارا و آخر الشهر القادم بقية المبلغ.
نظر الحاج عمر متفحصا الهاشمي, مخمنا مدى صدقه ثم قال :
-كلمة رجال؟
-كلمة رجال...
ثم عاد الحاج إلى إطراقه يمرر يده اليمنى على اليسرى, و اليد اليسرى على اليمنى...
ظل الهاشمي يتأمل الحاج مبتسما و قد زال حرجه ثم اقترب منه و انحنى يقبل رأسه قائلا:
-يكثر خيرك يا حاج, أنت الخير و البركة...
همهم الحاج همهمات الرضا...
خرج الهاشمي من غرفة الحاج و اجتاز وسط الدار يجيل بصره في أرجاء الحوش و ينظر إلى أبواب الغرف محاولا التأكد من أن لا أحد سمع حواره مع الحاج عمر و قال في نفسه "حتى و إن سمعوا...فأنا لست لصّا أو متحيّلا...طلبت من الحاج تأجيل خلاص دين...هل هذا عيب؟ ثم ما حاجة الحاج عمر إلى هذا المبلغ؟ فأمواله كثيرة و لا يضيره أن تنقص منها مائة دينار..."
دخل الهاشمي البيت هادرا "يلعن أبو الوقت...ساعة كاملة و أنا أحاول إقناع شيبة النحس و لم يقتنع إلّا بعد إذلالي و اتهامي بأني لست في مستوى المسؤولية."
خرجت حفصية من المطبخ و نظرت إلى الهاشمي نظرة المتعوّدة على ترهات زوجها قائلة :
-لا تتحدث عن أبي بهذه الطريقة فأفضاله كثيرة و لست محتاجا لتذكيرك بها.
-لا,لست محتاجا,حفظتها أعطانا بيتا نسكنه على وجه الفضل و تحمّل نصف مصاريف زواجنا,وأقرضنا المال أكثر من مرة...و حتى قطك الأسود أخذناه من بيته العامر بكلّ أصناف الحيوانات...سامحيني يا للاّ...
و اقترب الهاشمي من زوجته و قبل جبهتها.
تخلّصت حفصية بسرعة من غضبها و ابتسمت ابتسامتها العريضة و قالت :
-خمّن ماذا أعددت لك غداء اليوم؟
-إن شاء الله عصبان
-لا,أحسن, "بوليس مكتّف"
-شاطرة يا حفصية,شاطرة, هذه أكلة ترفع المعنويات...إن لم نقدر عليهم في الشارع نتمكّن منهم في المطبخ.
وأطلق ضحكة مدوّية و شاركته حفصية الضحك وهي تشير بسكين في يدها إلى قصعة ملئت شرائح لحم محشوة أرزا و لحما مفروما.
قال الهاشمي:
-شاطرة, والله شاطرة...إيه قولي,كيف دبّرت ثمن اللّحم؟
-بالكريدي...طلبت من الجزّار الحرايمي أن يسجل ثمنه دينا في كرّاسته كالعادة.
- ومن أين ستسدّدين كل هذه الديون المتراكمة؟
-يدبّرها ربّي...وإلّا فليصبر ككلّ الخلق, العطّار صابر, الخضّار صابر, بائع الحليب صابر, إن لم يصبر فكيف سنعيش؟
-والله كلامك صواب يا حفصية...عليهم أن يصبروا كما صبرنا.
ثمّ عادا إلى الضحك و الحبور...
غادر الهاشمي المطبخ، ثم توقف فجأة كأنه تذكر أمرا هاما و التفت إلى زوجته و قال:
- اسمعي...الجزار الحرايمي إذا ألح في طلب سداد الدين، اقصدي جزارا آخر.
- من غير ما توصيني يا هاشمي، أعرف، أعرف...
- أي واه...صحيت...هكاك..نحبك تفهميها و هي طايرة.
- نسيت أن أسألك يا هاشمي، ماذا قال لك مدير المصنع؟
ضحك الهاشمي ضحكة مرة وقال :
-المدير في اجتماع، انتظرته ساعتين و لم يخرج من مكتبه فغادرت المصنع و زرت أباك الحاج عمر...
بعد برهة دخل مراد وخميس وإسماعيل وقدور وسمير ورضا تباعا إلى البيت و كان الهاشمي ممددا على بساط قديم وسط الدار. نظر إلى أيديهم، كل واحد كان يحمل كيسا بلاستيكيا أسود و علامات الفخر بادية على وجوههم. ناداهم الهاشمي ليرى محتويات الأكياس، وبعد أن قلب النظر فيها قال :
- جيد...طماطم، فلفل، بصل، سلق، معدنوس... هذا ما نحتاجه فعلا . قال رضا وهو أكبر إخوته : لم نقدر على إحضار الغلال ، الصناديق محصنة، يحرسها أصحابها بعناية كبيرة، لم نستطع الاقتراب منها.
أجاب الهاشمي: أنا لم أطلب منكم السرقة، لا تحضروا إلا ما يتكرم به الفلاحون أو التجار، أما الاختلاس فلا.
أمن أطفاله على أقواله بتحريك رؤوسهم و هم يدركون أن أباهم لا يعني ما يقول و هو كذلك موقن أن أبناءه يفهمون أنه لا يعني ما يقول، وكأن بين الأب وأبنائه ميثاقا سريا مضمونه " اترك ما قلت لك وافعل ما تقدر عليه " ثم أطرق الهاشمي قليلا هامسا إلى نفسه " و من يقدر على الغلال؟ لا يقدر عليها إلا الكبار".
اتجه الأطفال إلى المطبخ، فاستقبلتهم حفصية بابتسامة عريضة، فأعطوها الأكياس مبتسمين و قال رضا : " هذا ما جاد به التجار والفلاحون " وغمز بطرف عينه لأمه فابتسمت حفصية لإشارته الساخرة قائلة:" يكثر خيرهم...مازال الخير في الناس..."
نادى الهاشمي أبناءه فهرعوا إليه مدركين سبب ندائه. وقفوا أمامه صفا واحدا وأخرج كل واحد ما حوت جيوبه من قطع نقدية متفاوتة القيمة، مد الهاشمي يده متفحصا وأخذ يخصم مبلغا من كل يد مبسوطة، كان يفعل ذلك وهو يتفحص الوجوه الواحد تلو الآخر مخمنا إحساس كل واحد منهم وخبيئة صدره، والويل لمن تظهر عليه علامات الاستياء أو الامتعاض.
و بعد هذه المحاسبة الدقيقة ينصرف الأطفال خارج البيت للهو حتى يحين موعد الغداء.
*****
في صباح يوم نهضت حفصية مكدرة وسبب كدرها أنها نسيت البارحة أن ترفع رأسها إلى السماء، إلى تلك الناحية حيث تعتقد أن الله يرقبها منها، وأن تطلب منه السماح، صحيح أن الله كافأها بيوم جديد و لكن هل غفر لها ما أسلفت؟ طردت كدرها بحركتها المعهودة وانشغلت بإعداد القهوة وتهيئة أبنائها للسعي في أرض الله.
نهض الهاشمي و شرب قهوته على عجل وأخبر زوجته أنه ذاهب لمساعدة صديق له في حراسة السيارات في أحد مواقف العربات، فأن يجني قليلا من المال أفضل من لا شيء.
أجابته حفصية :
-لا تنس أن تزور أبي...نحن في آخر الشهر، موعد تسديد الدين...أنسيت؟ -لا، لم أنس...سأزوره إن شاء الله
مرت ساعات الحراسة على الهاشمي ثقيلة، وكان يشعر بالحرج عندما يطلب معلوم الوقوف من أصحاب السيارات، إذ كانوا يظهرون امتعاضا كبيرا وهم يخرجون من جيوبهم تلك المبالغ الزهيدة...كان يتسلم النقود متحملا وخز تلك النظرات المقتحمة...يتسلم النقود لاعنا في سره الوقت و مدير الشركة الذي طرده و مدير المصنع الذي مازال في الاجتماع.
أكمل الهاشمي يوم عمله بصعوبة، وتذكر لقاءه المرتقب بالحاج عمر...قال في نفسه: ما حاجة الحاج عمر إلى مائة دينار؟ ولماذا لا يتنازل عنها ويعتبرها صدقة وهو ساق في البر وساق في القبر...ما أقسى الحياة! وما أقسى البشر! -يا حاج عمر، ما كان لله دام و اتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل
ظل الحاج عمر ساكتا مطرقا إلى الأرض يمرر يده اليمنى على ظهر اليد اليسرى ثم يده اليسرى على ظهر اليد اليمنى. أعاد الهاشمي كلامه رافعا صوته وهو يكاد يصرخ، هذه المرة
سمعه الحاج عمر، رفع رأسه ونظر إليه بعينين متقدتين قائلا :
-هل أحضرت الخمسين دينارا؟ -طبعا، يا حاج أحضرتها...لكن سأقترضها منك مرة أخرى
-أنت تمزح أم ماذا ؟
-لا أمزح، يا حاج عمر، المبلغ موجود وأنا أتيت في الموعد، لكني محتاج إلى المال، أمهلني يومين فحسب، مساعدتك لي ولابنتك ولأحفادك هي لله وما كان لله دام و اتصل..
ولم يكمل الهاشمي عبارته إذ قطع حديثه دخول ابنه قدور يجري لاهثا، نظر إليه الهاشمي حادسا هولا وقع و قال:
-ما الذي أتى بك؟ ماذا حدث؟ -الشرطة ألقت القبض على إخوتي في السوق، لقد سرقوا الغلال
-ياللمصيبة! كم نبهتهم ألا يقربوا الغلال!
غادر الهاشمي البيت يتبعه ابنه قدور، وبقي الحاج عمر مطرقا يمرر يده اليمنى على اليسرى و اليسرى على اليمنى يهمهم، مرددا بصوت خفيض قول الهاشمي " ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل".
تأليف: سالم المتهني( تونس )
Click here to claim your Sponsored Listing.
Category
Contact the organization
Telephone
Website
Address
Sfax
3052