Azad Werty
09/03/2026
تستند التحركات الإسرائيلية الراهنة تجاه إيران والشرق الأوسط إلى استراتيجية النفس الطويل التي بدأت تتبلور منذ ثورة عام 1979 الإيرانية، فما نراه اليوم ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو تتويج لأكثر من أربعة عقود من الغوص في سوسيولوجيا المنطقة وتفكيك شيفراتها السلوكية.
»| الاستثمار في الاستخبارات البشرية والسلوكية
لا تكتفي إسرائيل بجمع المعلومات العسكرية، بل تخصص ميزانيات ضخمة لـ الاستخبارات الثقافية. يمتلك الموساد والوحدة (8200) أقساماً متخصصة في دراسة التيارات الدينية والتركيبة النفسية للمجتمعات الإسلامية.
تشير التقارير إلى أن إسرائيل تمتلك واحداً من أكبر مراكز الأرشفة والتحليل للتاريخ الإسلامي والمذاهب الشيعية، مما يمنحها القدرة على التنبؤ بردود أفعال القادة بناءً على خلفياتهم الأيديولوجية. وتُشير تقديرات ميزانية الأمن الإسرائيلي المخصصة للملف الإيراني وحده إلى مليارات الدولارات سنوياً، جزء كبير منها يذهب للتحليل السيبراني والسلوكي.
لقد تجاوزت إسرائيل مرحلة التجسس التقليدي إلى التوغل الرقمي الشامل. من خلال برمجيات متطورة (مثل تلك التي تطورها شركات مرتبطة بخريجي الوحدة 8200)، استطاعت الوصول إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية للمتنفذين. القدرة على اختراق أجهزة النداء (Pagers) أو الهواتف المشفرة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج مراقبة دقيقة لسلاسل التوريد وأنماط الاستهلاك التقني داخل إيران وأذرعها لمدة تزيد عن 10 سنوات.
كما نعلم فإن هدف الإسرائيلي المعلن والمبطن هو ضمان التفوق النوعي (Qualitative Military Edge) لنصف قرن قادم. يعتمد قرار ضرب العمق الإيراني على استنتاج استخباراتي مفاده أن الهيكل الداخلي للنظام والبيئة الاجتماعية قد وصلا إلى نقطة يمكن من خلالها إحداث تغيير جذري أو شلل استراتيجي. إن المعركة اليوم تُدار بالمشرط لا بالمطرقة؛ حيث يتم استغلال نقاط الضعف السلوكية والخصوصيات المخترقة لتقويض الأمن القومي للخصوم من الداخل قبل الخارج. لكن بناءً على المعطيات الاستخباراتية والواقعية التي توازن بين الاختراق العبقري والفشل الصادم يبقى هناك شعرة فاصلة بين القدرة الفعلية الفائقة وبين الأسطورة (التهويل) التي تُستخدم كأداة بحد ذاتها في الحرب النفسية.
»| زلزال أكتوبر
هناك تساؤل نقدي، فإذا كانت إسرائيل تعرف ما يدور في كل بيت (كما يشاع)، فكيف غاب عنها التخطيط لعملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر؟ هذا الفشل أثبت أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي والمراقبة الإلكترونية خلق فجوة في الفهم البشري. نعم إسرائيل متفوقة تقنياً (Signals Intelligence)، لكنها قد تكون عمياء أحياناً أمام الإرادة البشرية البسيطة التي تقرر الخروج عن الشبكة.
بالطبع لا يمكن إنكار أن الموساد حقق اختراقات شبه مستحيلة داخل إيران، وهذه ليست تهويلاً بل وقائع، فسرقة نصف طن من الوثائق من قلب طهران ونقلها في شاحنات من أرشيف النووي سنة (2018)، واغتيال فخري زاده (2020) باستخدام رشاش يعمل بالذكاء الاصطناعي عبر الأقمار الصناعية. فضلاً عن عملية أجهزة الـ (Pager) من خلال اختراق سلسلة توريد عالمية وتفجير آلاف الأجهزة في وقت واحد، يوحي بأن إسرائيل لا تملك عيوناً في كل غرفة، بل تملك القدرة على زرع العيون في الأماكن التي تختارها بعناية فائقة مثل القيادات، المنشآت النووية.
طبعاً جزء كبير مما ذكرناه آنفاً عن معرفة خصوصيات المتنفذين يندرج تحت استراتيجية الردع بالمعرفة. فعندما تسرب إسرائيل معلومات عن تحركات مسؤول معين، فهي لا تريد قتله دائماً، بل تريد إرسال رسالة مفدها بأننا نراك حتى وأنت في مخدعك. هذا بالتأكيد يخلق حالة من البارانويا (الارتياب) داخل أنظمة الحكم، مما يجعل القادة يشكون في أقرب المقربين إليهم، وهذا بحد ذاته ضربة استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة.
لذا يمكن القول بأن إسرائيل ليست قوة مطلقة، لكنها قوة متخصصة. هي تنجح عندما تتحول المعركة إلى تكنولوجيا وبيانات، وتتعثر عندما تصبح المعركة عقيدة واستنزافاً طويلاً. التهويل هو سلاح إسرائيلي فعال، لأنه يجعل الخصم يشعر بالهزيمة النفسية قبل بدء المعركة.
طالت شكوكاً بأن طوفان الأقصى في 7 أكتوبر قد تكون من صنيعة الموساد لخلق التبرير، فكانت حماس تتلقى ملايين الدولارات شهرياً من قطر، وكانت قطر ترسل هذه الأموال من تل أبيب، وكانت الشرطة الأسرئيلية تحمي هذا الدعم حتى حدود غزة ثم يستلمها مندوبي حماس، وهذا كان قبل الضربة. لذا بدأ الكثير يشك بأن الأمر كله قد يكون سيناريو مدبر ضمن فئة قليلة لتوجيه الحالة إلى ما وصلت إليه. وهذه النقطة هي الأكثر جدلاً حتى داخل إسرائيل نفسها قبل أن تكون خارجها. فنحن هنا لا نتحدث عن نظرية مؤامرة من فراغ، بل نستند إلى حقائق سياسية كانت تُمارس علناً، وهو ما يسمى في الأوساط السياسية الإسرائيلية بـ المفهوم (The Conceptzia).
»| التكتيك السياسي والفشل الاستخباراتي
ما ذُكر عن الأموال القطرية لم يكن سراً، بل كان استراتيجية معلنة تبناها بنيامين نتنياهو لسنوات. فقد كان الهدف الإسرائيلي هو إدارة الصراع لا حله. من خلال السماح بدخول الأموال (التي بلغت حوالي 30 مليون دولار شهرياً في بعض الفترات)، أرادت إسرائيل الحفاظ على سلطة حماس في غزة قوية بما يكفي لمنع الفوضى، وضمان استمرار الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية، لقتل أي فرصة لقيام دولة فلسطينية. نعم، كانت الأموال تمر عبر المعابر الإسرائيلية بتنسيق أمني مباشر، وهو ما وصفه المعارضون الإسرائيليون لاحقاً بأنه تغذية الوحش الذي سيعض اليد التي أطعمته. وهنا يكمن التحليل النقدي؛ فهناك فرق شاسع في العلم العسكري بين تسهيل الظروف وبين التخطيط للضربة.
يرى جموع من المشككين أن حجم الفشل لا يمكن أن يكون طبيعياً لدولة تمتلك بيغاسوس والوحدة 8200. لكن، لو كان الأمر مدبراً، لكانت التكلفة الإسرائيلية (أكثر من 1200 قتيل وانهيار كامل لهيبة الجيش والمنظومة الاقتصادية) أكبر بكثير من أي تبرير سياسي. الفشل لم يكن في نقص المعلومات، بل في غرور التفسير. فكانت لدى الاستخبارات تقارير عن تدريبات حماس، لكن القيادة الإسرائيلية استصغرت الخصم، معتقدة أن حماس أصبحت جسماً سياسياً يفضل المال القطري والهدوء على المغامرة العسكرية.
إن الشك الذي يُطرح حول وجود فئة قليلة تدير المشهد لتوجيه الحالة إلى ما وصلت إليه يجد صدى في تساؤلات إسرائيلية داخلية، لماذا تأخر الجيش لساعات؟ (عجز تقني أم قرار بالتمهل؟). ولماذا تم تجاهل تحذيرات المراقبات على الحدود. من الناحية الجيوسياسية، أدت الحرب إلى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، ومنحت إسرائيل الذريعة لضرب محور المقاومة (حزب الله وإيران) بشكل مباشر وغير مسبوق، وهو ما لم يكن ممكناً لولا أحداث 7 أكتوبر.
من منظور استراتيجي إسرائيل وقعت في فخ الغطرسة التقنية. لقد اعتقدوا أنهم استطاعوا أن يشتروا صمت حماس بالمال، وأن الجدار العسكري الذكي لا يمكن اختراقه. لذا ما يُرى تدبيراً قد يكون في الحقيقة فشلاً ذريعاً لسياسة التذاكي؛ حيث انقلب السحر على الساحر. لكن المؤكد أن إسرائيل قررت فور وقوع الضربة استغلالها إلى أقصى حد لتنفيذ خطط كانت معدة مسبقاً لعقود (تغيير وجه الشرق الأوسط).
في الكثير من الأحيان في عالم المخابرات، يعتبر الفشل المتعمد (Let It Happen On Purpose) هو تكتيك تاريخي، لكنه في الوقت نفسه تعتبر مقامرة كبرى قد تؤدي لسقوط النظام نفسه. إن تحليل النوايا الإسرائيلية يتطلب منا الفصل بين الأيديولوجيا الدينية وبين الاستراتيجية البراجماتية التي تديرها الدولة العميقة في تل أبيب. نحن الآن في عام 2026، والمشهد أصبح أكثر وضوحاً بعد هزات السنوات الماضية.
»| سيناريوهات التوسع مقابل الانكماش
تاريخياً، يُرفع شعار من حلم النيل إلى الفرات بين الرمزية والواقع
في الأوساط اليمينية المتطرفة (مثل تيار سموتريتش وبن غفير)، لكن من الناحية العسكرية والسياسية، إسرائيل تدرك تماماً أن السيطرة الجغرافية المباشرة على هذه المساحات الشاسعة هي انتحار ديموغرافي وعسكري. لكن لدى تل أبيب استراتيجية بديلة فبدلاً من احتلال الأرض (الاحتلال الصلب)، تسعى إسرائيل إلى الاحتلال الناعم أو التفوق الوظيفي. أي أن تكون هي المركز التكنولوجي، الأمني، والاقتصادي للشرق الأوسط، بينما تظل الدول المحيطة في حالة ضعف أو احتياج دائم لتقنياتها.وفي الواقع إسرائيل تفضل اتفاقيات إبراهيم وتوسيعها على احتلال سيناء أو شرق الأردن، لأن التبادل التجاري والأمني أقل كلفة بكثير من إدارة شعوب معادية.
ما تفعله إسرائيل الآن تجاه إيران وحزب الله ليس بالضرورة لبناء إمبراطورية جغرافية، بل لفرض شرق أوسط إسرائيلي المعايير،الهدف منه تفكيك حلقة النار التي زرعتها إيران حولها. والنتيجة هي إذا نجحت في تحييد التهديد الإيراني، فستصبح هي الشرطي الوحيد في المنطقة، مما يمنحها حرية حركة كاملة لفرض شروطها السياسية دون الحاجة لتوسيع حدودها متراً واحداً.
لكن رغم القوة العسكرية، تعاني إسرائيل من نقاط ضعف قد تؤدي لـ انكماش أو حتى انهيار داخلي بدلاً من التوسع، فهناك خطر التصدع الاجتماعي، بمعنى الانقسام بين العلمانيين والمتدينين (الحريديم) والذي يعتبر أكبر تهديد وجودي. لأن مجتمع يكره نفسه لا يمكنه السيطرة على غيره. فضلاً عن العزلة الدولية والتي من شأنها أن تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة (Pariah State) في المحافل الدولية والجنائية الدولية قد يخنق اقتصادها القائم على التصدير التكنولوجي. إلى جانب الاستنزاف، فالحروب الطويلة ليست في صالح إسرائيل؛ اقتصادها مبني على الاستقرار والابتكار، والحروب المستمرة تؤدي لهجرة العقول (التي بدأت بالفعل تزداد في 2024-2025).
إسرائيل اليوم تحاول الهروب من قدر الانكماش عبر الهجوم الشامل. هي تراهن على أن ضرب إيران سيعطيها 50 سنة أخرى من الهدوء. لكن التاريخ يعلمنا أن القوة الفائضة غالباً ما تولد رد فعل مساوٍ لها في المقدار ومضاد لها في الاتجاه من الشعوب، لا من الأنظمة. لكن رغم ذلك إسرائيل تعمل على دراسة السلوكيات وردود الأفعال، فهي تتظاهر بأنها فعلاً سيطرت على الموقف ولديها الحبال التي تحرك مستقبلها، خصوصاً في سعيها بالاستحواذ على فرص الاستثمارات والبنى التحتية لدول المنطقة، هذا فضلاً عن أن إسرائيل تسعى العمل على ورقة الديموغرافيا طبعاً. وهذا يعتبر جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية الحديثة؛ فهي لم تعد تكتفي بـ توازن القوى العسكري، بل انتقلت إلى ما يمكن تسميته بالهيمنة الهيكلية. إسرائيل تستخدم سيكولوجية السيطرة كأداة لإقناع المنطقة بأن وجودها ليس فقط حتمياً، بل هو المحرك الوحيد للمستقبل.
»| تفكيك أدوات السيطرة (السلوك، الاستثمار، الديموغرافيا)
إسرائيل تدرك أن الشعوب العربية والإسلامية تمتلك مخزوناً تاريخياً من المقاومة، لذا تعمل أجهزتها (مثل "وحدة التأثير" في الاستخبارات) على تحطيم هذه الروح من خلال الإبهار التقني، أي تصوير كل عملية أمنية على أنها إعجاز سيبراني لزرع الشعور بالعجز لدى الخصم. والعمل على إدارة التوقعات من خلال دراسة ردود الأفعال الشعبية عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي (تحليل المشاعر على السوشيال ميديا) لمعرفة سقف الغضب ومتى يمكنها تمرير الضربة القادمة دون إحداث انفجار إقليمي.
تسعى إسرائيل لاحتلال بالبنية التحتية والسيطرة عبر الشرايين، وهذا ما يمكن اعتباره الذكاء الاستراتيجي. فإسرائيل لم تعد تحلم بضم أراضٍ شاسعة، بل تسعى لأن تكون نخاعاً شوكياً للمنطقة، وأن تكون هي المسيطرة على الطاقة والمياه من خلال اتفاقيات الغاز وتكنولوجيا تحلية المياه، تصبح سيادة بعض الدول مرتبطة تقنياً بتل أبيب. وتعمل على تأمين الممرات اللوجستية، فمشاريع مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) تهدف لجعل حيفا والسكك الحديدية الإسرائيلية هي المعبر الإجباري للتجارة العالمية، مما يجعل أي صراع معها مكلفاً جداً للاقتصاد الدولي والإقليمي. هذا فضلاً عن التغلغل في صناديق الاستثمار والشركات الناشئة في المنطقة يجعل المصالح الاقتصادية للنخب مرتبطة باستقرار إسرائيل.
من زاوية أخرى، الديموغرافيا هي البعبع الذي يؤرق الفكر الصهيوني، وهي تتعامل معه بطريقتين، داخلياً تحاول موازنة النمو السكاني للعرب داخل إسرائيل عبر تشجيع هجرات يهودية جديدة أو تغيير القوانين الانتخابية. وخارجياً تعمل على التهجير الناعم، فما نراه في غزة أو الضفة ليس مجرد حرب، بل هو محاولة لخلق بيئة طاردة للسكان عبر تدمير البنى التحتية، مما يدفع الأجيال الشابة للهجرة الطوعية نحو الغرب أو دول أخرى، وبذلك تحسم الصراع الديموغرافي دون تطهير عرقي كلاسيكي يثير العالم.
لكن رغم دقة التخطيط، تواجه هذه الرؤية ثقوباً سوداء قد تعصف بها، وأولها رفض الشارع، فقد تنجح إسرائيل في اختراق الأنظمة والبنى التحتية، لكنها فشلت تاريخياً في اختراق الوجدان الشعبي الذي يظل رافضاً للتطبيع النوعي. والاعتماد المفرط على التكنولوجيا كما حدث في 7 أكتوبر، والاعتماد على الحساسات والذكاء الاصطناعي يجعل الدولة عرضة للانهيار إذا تم تعطيل الكهرباء أو الشبكة. وهناك عامل التآكل الداخلي فإسرائيل الآن هي الأكثر انقساماً (علمانياً ودينياً) في تاريخها، وهذا الضعف البنيوي قد يمنعها من إدارة إمبراطورية إقليمية.
إسرائيل تحاول أن تلعب دور المهندس للشرق الأوسط الجديد، مستخدمة المال والتكنولوجيا كبديل للمجنزرات. هي تريد أن تكون دولة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لكن هل يا ترى أن الذكاء الاصطناعي السيادي الذي تطوره إسرائيل الآن سيمكّنها من التحكم في صناعة القرار داخل الدول المجاورة عبر اختراق قواعد البيانات الوطنية؟ طبعاً قد يكون أو لا، لأن صناع القرار أيضاً يعون جيداً بخدعة الذكاء الاصطناعي، لذا فيبدو أن الدول لن تسلم امورها السيادية إلى قرارات نابعة من الذكاء الاصطناعي أو حتى من قواعد البيانات، لأنهم سوف يعيدون الدراسات والبيانات يدوياً للتأكيد والاعتماد. وهذا تعكس ما يُعرف في العلوم الاستراتيجية بـ سيادة القرار. فالحاكم أو القائد العسكري الذي يسلم مفاتيحه لخوارزمية هو عملياً يتنازل عن عرشه لصالح مبرمج القود (Code).
المراهنة هنا على الحدس البشري والتدقيق اليدوي، وهو حائط الصد الأخير ضد ما نستطيع تسميته بالاستلاب الرقمي. لكن إذا حللنا هذا الصراع بين العقل والآلة واخذناها من ثلاث زوايا حرجة، فنرى في البداية فخ البيانات الملوثة (Data Poisoning)، حتى لو قرر صانع القرار مراجعة البيانات يدوياً، فإن الإشكالية تكمن في مصدر المعلومة نفسها. إسرائيل والولايات المتحدة تعملان على ما يسمى صناعة الواقع الافتراضي؛ فإذا كانت كل التقارير الاستخباراتية، وصور الأقمار الصناعية، وتسريبات العملاء (التي هي أصلاً مخترقة) تصب في اتجاه واحد، فإن المراجعة اليدوية ستصل إلى نفس النتيجة الخاطئة التي أرادها الطرف الآخر. إذاً الذكاء الاصطناعي لا يخدعك في القرار النهائي، بل يخدعك في المدخلات التي تبني عليها قرارك.
في الحروب الحديثة (حروب الجيل السادس)، لم يعد هناك ترف الوقت للدراسات اليدوية المعمقة. فعندما يتم رصد إطلاق صاروخ أو هجوم سيبراني شامل، يكون لدى صانع القرار ثوانٍ أو دقائق فقط. هنا تكمن الخدعة، فإسرائيل تحاول جر المنطقة إلى صراعات تعتمد على رد الفعل السريع، مما يضطر الدول للاعتماد على الأنظمة الأوتوماتيكية، لأن العقل البشري أبطأ من معالجة ملايين البيانات في لحظة الخطر.
وقد بدأت دول كثيرة بالفعل في العودة إلى الأنظمة المعزولة، مثل البريد الورقي والحقائب الدبلوماسية والعودة لاستخدام الرسائل اليدوية والشيفرات التي لا تمر عبر الأقمار الصناعية وعقد الاجتماعات التناظرية (Analog) بمنع الهواتف والأجهزة الذكية في غرف صناعة القرار، والاعتماد على الخرائط الورقية والمغزى من هذا هو الانكماش الدفاعي الذي تمارسه الدول الواعية لضمان ألا يتم اختطاف قرارها السياسي بضغطة زر من تل أبيب أو واشنطن.
هناك صحوة عالمية ضد ديكتاتورية الخوارزمية. وإسرائيل، رغم تفوقها التقني، تصطدم دائماً بالمتغير العشوائي البشري؛ فالإنسان يمكن أن يغير رأيه في لحظة، أو يتصرف عكس منطق الأرقام، وهذا هو الثقب الأسود الذي لا يستطيع الموساد ولا غيره التنبؤ به بدقة 100%. الآلة يمكنها التنبؤ بما سيفعله الإنسان العاقل، لكنها تقف عاجزة أمام الإنسان المؤمن أو الغاضب.
Click here to claim your Sponsored Listing.